فصل: تفسير الآية رقم (137)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآية رقم ‏[‏125‏]‏

‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ‏}‏ أي‏:‏ ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ‏[‏فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏]‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 22‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ‏}‏ ‏[‏الحجرات‏:‏ 7‏]‏‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ‏}‏ يقول‏:‏ يوسع قلبه للتوحيد والإيمان به وكذا قال أبو مالك، وغير واحد‏.‏ وهو ظاهر‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي جعفر قال‏:‏ سُئل النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيّ المؤمنين أكيس‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أكثرهم ذكرًا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادًا‏"‏‏.‏ قال‏:‏وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ‏}‏ وقالوا‏:‏ كيف يشرح صدره يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نور يُقْذَف فيه، فينشرح له وينفسح‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ فهل لذلك من أمارة يُعرف بها‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏الإنابة إلى دار الخُلُود، والتَّجَافِي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت‏"‏‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا هَنَّاد، حدثنا قَبِيصَة، عن سفيان -يعني الثوري -عن عمرو بن مُرَّة، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال‏:‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ ‏[‏يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ‏]‏‏}‏ فذكر نحو ما تقدم‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا دخل الإيمان القلب انفسح له القلب وانشرح قالوا‏:‏ يا رسول الله، هل لذلك من أمارة‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت‏"‏‏.‏ وقد رواه ابن جرير عن سوار بن عبد الله العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن مرة، عن أبي جعفر فذكره‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قَيْس، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن المِسْوَر قال‏:‏ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ‏}‏ قالوا‏:‏‏:‏ يا رسول الله، ما هذا الشرح‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نور يقذف به في القلب‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، فهل لذلك من أمارة ‏؟‏ قال ‏"‏نعم‏"‏ قالوا‏:‏ وما هي‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت‏"‏‏.‏

وقال ابن جرير أيضا‏:‏ حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سَلمَة، عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنَيْسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود ‏[‏رضي الله عنه‏]‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ فهل لذلك من علامة يعرف بها‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لُقي الموت‏"‏‏.‏ وقد رواه ‏[‏ابن جرير‏]‏ من وجه آخر، عن ابن مسعود متصلا مرفوعًا فقال‏:‏ حدثني بن سِنان القزاز، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ‏}‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله، وكيف يُشْرَح صدره‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏يدخل الجنة فينفسح‏"‏‏.‏ قالوا‏:‏ وهل لذلك علامة يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت‏"‏‏.‏ فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يشد بعضها بعضا، والله أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ‏[‏كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ‏]‏‏}‏ قرئ بفتح الضاد وتسكين الياء، والأكثرون‏:‏ ‏{‏ضَيِّقًا‏}‏ بتشديد الياء وكسرها، وهما لغتان‏:‏ كَهَيْن وهَيّن‏.‏ وقرأ بعضهم‏:‏ ‏{‏حَرَجًا‏}‏ بفتح الحاء وكسر الراء، قيل‏:‏ بمعنى آثم‏.‏ وقال السُّدِّي‏.‏ وقيل‏:‏ بمعنى القراءة الأخرى ‏{‏حَرَجًا‏}‏ بفتح الحاء والراء، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء ما ينفعه من الإيمان ولا ينفذ فيه‏.‏

وقد سأل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، رجلا من الأعراب من أهل البادية من مُدْلج‏:‏ ما الحرجة‏؟‏ قال هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية، ولا وحشية، ولا شيء‏.‏ فقال عمر، رضي الله عنه‏:‏ كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير‏.‏

وقال العَوْفي عن ابن عباس‏:‏ يجعل الله عليه الإسلام ضيقًا، والإسلام واسع‏.‏ وذلك حين يقول‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 78‏]‏، يقول‏:‏ ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق‏.‏

وقال مجاهد والسُّدِّي‏:‏ ‏{‏ضَيِّقًا حَرَجًا‏}‏ شاكا‏.‏ وقال عطاء الخراساني‏:‏ ‏{‏ضَيِّقًا حَرَجًا‏}‏ ليس للخير فيه منفذ‏.‏ وقال ابن المبارك، عن ابن جُرَيْج ‏{‏ضَيِّقًا حَرَجًا‏}‏ بلا إله إلا الله، حتى لا تستطيع أن تدخله، كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه‏.‏ وقال سعيد بن جُبَيْر‏:‏ يجعل صدره ‏{‏ضَيِّقًا حَرَجًا‏}‏ قال‏:‏ لا يجد فيه مسلكا إلا صُعدا‏.‏ وقال السُّدِّي‏:‏ ‏{‏كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ‏}‏ من ضيق صدره‏.‏

وقال عطاء الخراساني‏:‏ ‏{‏كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ‏}‏ يقول‏:‏ مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء‏.‏ وقال الحكم بن أبان عن عِكْرِمة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ‏}‏ يقول‏:‏ فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه‏.‏

وقال الأوزاعي‏:‏ ‏{‏كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ‏}‏ كيف يستطيع من جعل الله صدره ضيقا أن يكون مسلما‏.‏

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير‏:‏ وهذا مثل ضربه الله لقلب هذا الكافر في شدة تضيقه إياه عن وصول الإيمان إليه‏.‏ يقول‏:‏ فمثله في امتناعه من قبول الإيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته‏.‏

وقال في قوله‏:‏ ‏{‏كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏}‏ يقول‏:‏ كما يجعل الله صدر من أراد إضلاله ضيقا حرجا، كذلك يسلط الله الشيطان عليه وعلى أمثاله ممن أبى الإيمان بالله ورسوله، فيغويه ويصده عن سبيل الله‏.‏

قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ الرجس‏:‏ الشيطان‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الرجس‏:‏ كل ما لا خير فيه‏.‏ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ الرجس‏:‏ العذاب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏126 - 127‏]‏

‏{‏وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏

لما ذكر تعالى طريقة الضالين عن سبيله، الصادين عنها، نبه على أشرف ما أرْسل به رسوله من الهدى ودين الحق فقال‏:‏ ‏{‏وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا‏}‏ منصوب على الحال، أي‏:‏ هذا الدين الذي شرعناه لك يا محمد بما أوحينا إليك هذا القرآن، وهو صراط الله المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث، عن علي ‏[‏رضي الله عنه‏]‏ في نعت القرآن‏:‏ ‏"‏هو صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم‏"‏‏.‏ رواه أحمد والترمذي بطوله‏.‏

‏{‏قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ‏}‏ أي‏:‏ ‏[‏قد‏]‏ وضحناها وبيناها وفسرناها، ‏{‏لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ لمن له فهم ووعي يعقل عن الله ورسوله‏.‏

‏{‏لَهُمْ دَارُ السَّلامِ‏}‏ وهي‏:‏ الجنة، ‏{‏عِنْدَ رَبِّهِمْ‏}‏ أي‏:‏ يوم القيامة‏.‏ وإنما وصف الله الجنة هاهنا بدار السلام لسلامتهم فيما سلكوه من الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفْضَوا إلى دار السلام‏.‏

‏{‏وَهُوَ وَلِيُّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ والسلام -وهو الله -وليهم، أي‏:‏ حافظهم وناصرهم ومؤيدهم، ‏{‏بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏ أي‏:‏ جزاء ‏[‏على‏]‏ أعمالهم الصالحة تولاهم وأثابهم الجنة، بمنّه وكرمه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏128‏]‏

‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ واذكر يا محمد فيما تقصه عليهم وتذكرهم به ‏{‏وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا‏}‏ يعني‏:‏ الجن وأولياءهم ‏{‏مِنَ الإنْسِ‏}‏ الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطيعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا‏.‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ‏}‏ أي‏:‏ ثم يقول‏:‏ يا معشر الجن‏.‏ وسياق الكلام يدل على المحذوف‏.‏

ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ‏}‏ أي‏:‏ من إضلالهم وإغوائهم، كما قال ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 60 -62‏]‏‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ‏}‏ يعني‏:‏ أضللتم منهم كثيرا‏.‏ وكذلك قال مجاهد، والحسن، وقتادة‏.‏

‏{‏وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ‏}‏ يعني‏:‏ أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين لله تعالى عن ذلك بهذا‏.‏

قال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هَوْذَة بن خليفة، حدثنا عَوْف، عن الحسن في هذه الآية قال‏:‏ استكثر ربكم أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإنس‏:‏ ربنا استمتع بعضنا ببعض‏.‏ قال الحسن‏:‏ وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت، وعملت الإنس‏.‏

وقال محمد بن كعب في قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ‏}‏ قال‏:‏ الصحابة في الدنيا‏.‏

وقال ابن جُرَيْج‏:‏ كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض، فيقول‏:‏ ‏"‏أعوذ بكبير هذا الوادي‏"‏‏:‏ فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة‏.‏

وأما استمتاع الجن بالإنس فإنه كان -فيما ذكر -ما ينال الجنّ من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم بهم، فيقولون‏:‏ قد سدنا الإنس والجن‏.‏

‏{‏وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا‏}‏ قال السدي، أي الموت‏.‏

قال‏:‏ ‏{‏النَّارُ مَثْوَاكُمْ‏}‏ أي‏:‏ مأواكم ومنزلكم أنتم وأولياؤكم‏.‏ ‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا‏}‏ أي‏:‏ ماكثين مكثًا مخلدًا إلا ما شاء الله‏.‏

قال بعضهم‏:‏ يرجع معنى ‏[‏هذا‏]‏ الاستثناء إلى البرزخ‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هذا رد إلى مدة الدنيا‏.‏ وقيل غير ذلك من الأقوال التي سيأتي تقريرها ‏[‏إن شاء الله‏]‏ عند قوله تعالى في سورة هود‏:‏ ‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ‏}‏ ‏[‏الآية‏:‏ 107‏]‏‏.‏

وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن صالح -كاتب الليث-‏:‏ حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال‏:‏ ‏{‏النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏ قال‏:‏ إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏129‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏

قال سعيد، عن قتادة في تفسيرها‏:‏ وإنما يولي الله الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي‏.‏ واختاره ابن جرير‏.‏

وقال معمر، عن قتادة في تفسيرها‏:‏ ‏{‏نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا‏}‏ في النار، يتبع بعضهم بعضا‏.‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ قرأت في الزبور‏:‏ إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعا، وذلك في كتاب الله قوله تعالى ‏{‏وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا‏}‏

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله‏:‏ ‏{‏وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا‏}‏ قال‏:‏ ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 36‏]‏، قال‏:‏ ونسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس‏.‏

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد، من طريق سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زِرِّ، عن ابن مسعود مرفوعا‏:‏ ‏"‏من أعان ظالما سلطه الله عليه‏"‏‏.‏ وهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء‏:‏

وما مِن يَد إلا يدُ الله فوقها *** ولا ظالم إلا سَيُبلى بظالم

ومعنى الآية الكريمة‏:‏ كما ولينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغْوَتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين، نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏130‏]‏

‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ‏}‏

وهذا أيضا مما يُقرع الله به سبحانه وتعالى كافري الجن والإنس يوم القيامة، حيث يسألهم -وهو أعلم -‏:‏ هل بلغتهم الرسل رسالاته‏؟‏ وهذا استفهامُ تقرير‏:‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ من جملتكم‏.‏ والرسل من الإنس فقط، وليس من الجن رسل، كما ‏[‏قد‏]‏ نص على ذلك مجاهد، وابن جُرَيْج، وغير واحد من الأئمة، من السلف والخلف‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ الرسل من بني آدم، ومن الجن نُذُر‏.‏

وحكى ابن جرير، عن الضحاك بن مُزاحم‏:‏ أنه زعم أن في الجن رسلا واحتج بهذه الآية الكريمة وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي -والله أعلم -كقوله ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ‏.‏ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 19 -22‏]‏، ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرج من الملح لا من الحلو‏.‏ وهذا واضح، ولله الحمد‏.‏ وقد نص هذا الجواب بعينه ابن جرير‏.‏

والدليل على أن الرسل إنما هم من الإنس قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ‏[‏وَأَوْحَيْنَا‏]‏‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ ‏[‏بَعْدَ الرُّسُلِ ‏]‏‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 163 -165‏]‏، وقال تعالى عن إبراهيم‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 27‏]‏، فحصر النبوة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس‏:‏ إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل ‏[‏عليه السلام‏]‏ ثم انقطعت عنهم ببعثته‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 20‏]‏، وقال ‏[‏تعالى‏]‏‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 109‏]‏، ومعلوم أن الجن تبع للإنس في هذا الباب؛ ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم‏:‏ ‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ‏.‏ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 29 -32‏]‏‏.‏

وقد جاء في الحديث -الذي رواه الترمذي وغيره -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا عليهم سورة الرحمن وفيها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏ ‏[‏الآيتان‏:‏ 31، 32‏]‏‏.‏

وقال تعالى في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا‏}‏ أي‏:‏ أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها، ‏{‏وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ يوم القيامة ‏{‏أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ في الدنيا، بما جاءتهم به الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم ‏[‏أجمعين‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏131- 132‏]‏

‏{‏ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ‏}‏ أي‏:‏ إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب، لئلا يعاقب أحد بظلمه، وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 24‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 36‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 15‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا‏}‏ ‏[‏الملك‏:‏ 8، 9‏]‏ والآيات في هذا كثيرة‏.‏

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير‏:‏ ويحتمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بِظُلْمٍ‏}‏ وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ ذلك من أجل أن ربك مهلك القرى بظلم أهلها بالشرك ونحوه، وهم غافلون، يقول‏:‏ لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم مَنْ ينبههم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة فيقولوا‏:‏ ‏{‏مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 19‏]‏‏.‏

والوجه الثاني‏:‏ أن ‏{‏ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ‏}‏ يقول‏:‏ لم يكن ‏[‏ربك‏]‏ ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده‏.‏

ثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى، والله أعلم‏.‏

وقال‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا‏}‏ أي‏:‏ ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر‏.‏

قلت‏:‏ ويحتمل أن يعود قوله‏:‏ ‏{‏وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا‏}‏ ‏[‏أي‏]‏ من كافري الجن والإنس، أي‏:‏ ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ‏[‏وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ‏]‏‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 38‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 88‏]‏‏.‏

‏{‏وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ أي وكل ذلك من عملهم، يا محمد، بعلم من ربك، يحصيها ويثبتها لهم عنده، ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏133 - 135‏]‏

‏{‏وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آَخَرِينَ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏}‏

يقول ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏وَرَبُّكَ‏}‏ يا محمد ‏{‏الْغَنِيُّ‏}‏ أي‏:‏ عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، ‏{‏ذُو الرَّحْمَةِ‏}‏ أي‏:‏ وهو مع ذلك رحيم بهم رؤوف، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏‏.‏

‏{‏إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ‏}‏ أي‏:‏ إذا خالفتم أمره ‏{‏وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ‏}‏ أي‏:‏ قوما آخرين، أي‏:‏ يعملون بطاعته ، ‏{‏كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ‏}‏ أي‏:‏ هو قادر على ذلك، سهل عليه، يسير لديه، كما أذهب القرون الأوَل وأتى بالذي بعدها كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 133‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 15 -17‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ‏}‏ ‏[‏محمد‏:‏ 38‏]‏‏.‏

وقال محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة قال‏:‏ سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية‏:‏‏{‏كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ‏}‏ الذرية‏:‏ الأصل، والذرية‏:‏ النسل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏}‏ أي‏:‏ أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة، ‏{‏وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ‏}‏ أي‏:‏ ولا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابًا رفاتًا وعظامًا هو قادر لا يعجزه شيء‏.‏

وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها‏:‏ حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد بن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدُرْي، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى‏.‏ والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين‏"‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ‏}‏ هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي‏:‏ استمروا على طريقكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 121، 122‏]‏‏.‏

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏عَلَى مَكَانَتِكُمْ‏}‏ أي‏:‏ ناحيتكم‏.‏

‏{‏فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ‏}‏ أي‏:‏ أتكون لي أو لكم‏.‏ وقد أنجز موعده له، صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته‏.‏ ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق بعد وفاته في أيام خلفائه، رضي الله عنهم أجمعين، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 20‏]‏، وقال ‏{‏إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ‏.‏ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 51، 52‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 105‏]‏، وقال تعالى إخبارًا عن رسله‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ‏.‏ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 13، 14‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا‏}‏ الآية ‏[‏النور‏:‏ 55‏]‏، وقد فعل الله ‏[‏تعالى‏]‏ ذلك بهذه الأمة، وله الحمد والمنة أولا وآخرًا، باطنًا وظاهرًا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏136 - 137‏]‏

‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ‏}‏

هذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين الذين ابتدعوا بدعًا وكفرًا وشركًا، وجعلوا لله جزءًا من خلقه، وهو خالق كل شيء سبحانه وتعالى عما يشركون؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ‏}‏ أي‏:‏ مما خلق وبرأ ‏{‏مِنَ الْحَرْثِ‏}‏ أي‏:‏ من الزروع والثمار ‏{‏وَالأنْعَامِ نَصِيبًا‏}‏ أي‏:‏ جزءا وقسما، ‏{‏فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ‏}‏ قال علي بن أبي طلحة، والعَوْفي، عن ابن عباس؛ أنه قال في تفسير هذه الآية‏:‏ إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا وللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه‏.‏ وإن سقط منه شيء فيما سُمّي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن‏.‏ وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن‏.‏ فسقى شيئا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن‏.‏ وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا‏:‏ هذا فقير‏.‏ ولم يردوه إلى ما جعلوه لله‏.‏ وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله‏.‏ فسقى ما سُمّي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أموالهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه للأوثان، ويزعمون أنهم يحرمونه لله، فقال الله عز وجل ‏{‏وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا‏}‏ الآية‏.‏ وهكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وغير واحد‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسيره‏:‏ كل شيء جعلوه لله من ذبْح يذبحونه، لا يأكلونه أبدا حتى يذكروا معه أسماء الآلهة‏.‏ وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ‏:‏ ‏{‏سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ‏}‏ أي‏:‏ ساء ما يقسمون، فإنهم أخطؤوا أولا في القسمة، فإن الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه، وله الملك، وكل شيء له وفي تصرفه وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره، ولا رب سواه‏.‏ ثم لما قسموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جاروا فيها، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 57‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏ 15‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 21، 22‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏137‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ وكما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق، ووأد البنات خشية العار‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم‏:‏ زينوا لهم قتل أولادهم‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏شُرَكَاؤُهُمْ‏}‏ شياطينهم، يأمرونهم أن يئدوُا أولادهم خشية العَيْلة‏.‏ وقال السدي‏:‏ أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات‏.‏ وإما ‏{‏لِيُرْدُوهُمْ‏}‏ فيهلكوهم، وإما ‏{‏لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ فيخلطون عليهم دينهم‏.‏ ونحو ذلك قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏.‏

وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِه ‏[‏أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ‏]‏‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 58، 59‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 8، 9‏]‏‏.‏ وقد كانوا أيضا يقتلون الأولاد من الإملاق، وهو‏:‏ الفقر، أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تاني المال وقد نهاهم ‏[‏الله‏]‏ عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من شرع الشيطان تزيينه لهم ذلك‏.‏

قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ‏}‏ أي‏:‏ كل هذا واقع بمشيئته تعالى وإرادته واختياره لذلك كونًا، وله الحكمة التامة في ذلك، فلا يسأل عما يفعل وهم يُسألون‏.‏ ‏{‏فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ فدعهم واجتنبهم وما هم فيه، فسيحكم الله بينك وبينهم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏138‏]‏

‏{‏وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏"‏الحجْرُ‏"‏‏:‏ الحرام، مما حرموا الوصيلة، وتحريم ما حرموا‏.‏

وكذلك قال مجاهد، والضحاك، والسُّدِّي، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏.‏

وقال قتادة‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ‏}‏ الآية‏:‏ تحريم كان عليهم من الشياطين في أموالهم، وتغليظ وتشديد، وكان ذلك من الشياطين، ولم يكن من الله تعالى‏.‏

وقال ابن زيد بن أسلم‏:‏ ‏{‏حِجْرٌ‏}‏ إنما احتجزوها لآلهتهم‏.‏

وقال السدي‏:‏ ‏{‏لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ‏}‏ يقولون‏:‏ حرام أن نطعم إلا من شئنا‏.‏

وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 59‏]‏، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 103‏]‏‏.‏

وقال السدي‏:‏ أما ‏{‏وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا‏}‏ فهي البحيرة والسائبة والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها قال‏:‏ إذا أولدوها، ولا إن نحروها‏.‏

وقال أبو بكر بن عَيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجُود قال لي أبو وائل‏:‏ تدري ما في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا‏}‏‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ هي البحيرة، كانوا لا يحجون عليها‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ‏[‏ولا‏]‏ في شيء من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن سحبوا ولا إن عملوا شيئا‏.‏

‏{‏افْتِرَاءً عَلَيْهِ‏}‏ أي‏:‏ على الله، وكذبا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه؛ فإنه لم يأذن لهم في ذلك ولا رَضيه منهم ‏{‏سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏ أي‏:‏ عليه، ويُسْندون إليه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏139‏]‏

‏{‏وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏

قال أبو إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن أبي الهُذَيل، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا‏}‏ الآية، قال‏:‏ اللبن‏.‏

وقال العوفي، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا‏}‏ ‏[‏الآية‏]‏‏:‏ فهو اللبن، كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم‏.‏ وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء‏.‏ وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء‏.‏ فنهى الله عن ذلك‏.‏ وكذا قال السُّدِّي‏.‏

وقال الشعبي‏:‏ ‏"‏البحيرة‏"‏ لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء، وكذا قال عِكْرِمة، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏.‏

وقال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا‏}‏ قال‏:‏ هي السائبة والبحيرة‏.‏

وقال أبو العالية، ومجاهد، وقتادة ‏[‏في قول‏]‏ ‏{‏سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ قولهم الكذب في ذلك، يعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ‏}‏ الآية ‏[‏النحل‏:‏ 116، 117‏]‏‏.‏

إنه ‏{‏حَكِيمٌ‏}‏ أي‏:‏ في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، ‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ بأعمال عباده من خير وشر، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏140‏]‏

‏{‏قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ قد خسر الذين فعلوا هذه الأفعال في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ‏.‏ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 69، 70‏]‏‏.‏

وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه في تفسير هذه الآية‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عَوَانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال‏:‏ إذا سَرَّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام، ‏{‏قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ‏}‏ وهكذا رواه البخاري منفردًا في كتاب ‏"‏مناقب قريش‏"‏ من صحيحه، عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن أبي عوَانة -واسمه الوَضَّاح بن عبد الله اليَشْكُرِي -عن أبي بشر -واسمه جعفر بن أبي وَحْشِيَّة بن إياس، به‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏141 - 142‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ‏}‏

يقول تعالى بيانا لأنه الخالق لكل شيء، من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة وقسَّموها وجَزَّءوها، فجعلوا منها حرامًا وحلالا فقال‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ‏}‏ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏مَعْرُوشَاتٍ‏}‏ مسموكات‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏المعروشات‏"‏‏:‏ معروشات ما عرش الناس، ‏{‏وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ‏}‏ ما خرج في البر والجبال من الثمرات‏.‏

وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏مَعْرُوشَاتٍ‏}‏ ما عرش من الكرم ‏{‏وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ‏}‏ ما لم يعرش من الكرم‏.‏ وكذا قال السدي‏.‏

وقال ابن جُرَيْج‏:‏ ‏{‏مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ‏}‏ قال‏:‏ متشابه في المنظر، وغير متشابه في الطعم‏.‏

وقال محمد بن كَعْب‏:‏ ‏{‏كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ‏}‏ قال‏:‏ من رطبه وعنَبه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ قال ابن جرير‏:‏ قال بعضهم‏:‏ هي الزكاة المفروضة‏.‏

حدثنا عمرو، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك يقول‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ قال‏:‏ الزكاة المفروضة‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ يعني‏:‏ الزكاة المفروضة، يوم يُكَال ويعلم كيله‏.‏ وكذا قال سعيد بن المسيب‏.‏

وقال العَوْفي، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، لم يخرج مما حصد شيئًا فقال الله‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ وذلك أن يعلم ما كيله وحقه، من كل عشرة واحدًا، ما يَلْقُط الناس من سنبله‏.‏

وقد روى الإمام أحمد وأبو داود في سننه من حديث محمد بن إسحاق‏:‏ حدثني محمد بن يحيى ابن حبَّان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ من كُل جاد عَشْرَة أوسُق من التمر، بقنْو يعلق في المسجد للمساكين وهذا إسناده جيد قوي‏.‏

وقال طاوس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والحسن، والضحاك، وابن جُرَيْج‏:‏ هي الزكاة‏.‏

وقال الحسن البصري‏:‏ هي الصدقة من الحب والثمار، وكذا قال زيد بن أسلم‏.‏

وقال آخرون‏:‏ هو حق آخر سوى الزكاة‏.‏

وقال أشعث، عن محمد بن سِيرين، ونافع، عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ قال‏:‏ كانوا يعطون شيئا سوى الزكاة‏.‏ رواه ابن مردويه‏.‏ وروى عبد الله بن المبارك وغيره‏.‏ عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في قوله‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ قال‏:‏ يعطي من حضره يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ إذا حضرك المساكين، طرحت لهم منه‏.‏

وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ قال‏:‏ عند الزرع يعطي القبض، وعند الصرام يعطي القبض، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام‏.‏

وقال الثوري، عن حماد، عن إبراهيم ‏[‏النخعي‏]‏ قال‏:‏ يعطي مثل الضغث‏.‏

وقال ابن المبارك، عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏ قال‏:‏ كان هذا قبل الزكاة‏:‏ للمساكين، القبضة الضغث لعلف دابته‏.‏

وفي حديث ابن لَهِيعة، عن دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن سعيد مرفوعًا‏:‏ ‏{‏وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ‏}‏قال‏:‏ ما سقط من السنبل‏.‏ رواه ابن مَرْدُويه‏.‏

وقال آخرون‏:‏ هذا كله شيء كان واجبًا، ثم نسخه الله بالعشر ونصف العشر‏.‏ حكاه ابن جرير عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسدي، وعطية العَوْفي‏.‏ واختاره ابن جرير، رحمه الله‏.‏

قلت‏:‏ وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنه فصل بيانه وبَيَّن مقدار المخرج وكميته‏.‏ قالوا‏:‏ وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة، فالله أعلم‏.‏

وقد ذم الله سبحانه الذين يصومون ولا يتصدقون، كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة ‏"‏ن‏"‏‏:‏ ‏{‏إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ‏}‏ أي‏:‏ كالليل المدلهم سوداء محترقة ‏{‏فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ‏}‏ أي‏:‏ قوة وجلد وهمة ‏{‏قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏القلم‏:‏ 17-33‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏}‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ ولا تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف‏.‏

وقال أبو العالية‏:‏ كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَلا تُسْرِفُوا‏}‏

وقال ابن جُرَيْج نزلت في ثابت بن قَيْس بن شَمَّاس، جذَّ نخلا‏.‏ فقال‏:‏ لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته‏.‏ فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏}‏ رواه ابن جرير، عنه‏.‏

وقال ابن جريج، عن عطاء‏:‏ ينهى عن السرف في كل شيء‏.‏

وقال إياس بن معاوية‏:‏ ما جاوزت به أمر الله فهو سرف‏.‏

وقال السدي في قوله‏:‏ ‏{‏وَلا تُسْرِفُوا‏}‏ قال‏:‏ لا تعطوا أموالكم، فتقعدوا فقراء‏.‏

وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب، في قوله‏:‏ ‏{‏وَلا تُسْرِفُوا‏}‏ قال‏:‏ لا تمنعوا الصدقة فتعصوا‏.‏

ثم اختار ابن جرير قول عطاء‏:‏ إنه نَهْيٌ عن الإسراف في كل شيء‏.‏ ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر -والله أعلم -من سياق الآية حيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا ‏[‏إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏]‏‏}‏ أن يكون عائدًا على الأكل، أي‏:‏ ولا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ‏[‏إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ‏]‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 31‏]‏، وفي صحيح البخاري تعليقًا‏:‏ ‏"‏كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة‏"‏ وهذا من هذا، والله أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا‏}‏ أي‏:‏ وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل‏:‏ المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها‏.‏ كما قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله‏:‏ ‏{‏حَمُولَةً‏}‏ ما حمل عليه من الإبل، ‏{‏وَفَرْشًا‏}‏ وقال‏:‏ الصغار من الإبل‏.‏ رواه الحاكم، وقال‏:‏ صحيح الإسناد ولم يخرجاه‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ الحمولة‏:‏ الكبار، والفرش ‏[‏هي‏]‏ الصغار من الإبل‏.‏ وكذا قال مجاهد‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا‏}‏ فأما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم‏.‏

واختاره ابن جرير، قال‏:‏ وأحسبه إنما سمي فرشًا لدنوه من الأرض‏.‏

وقال الربيع بن أنس، والحسن، والضحاك، وقتادة‏:‏ الحمولة‏:‏ الإبل والبقر، والفرش‏:‏ الغنم‏.‏

وقال السدي‏:‏ أما الحمولة فالإبل، وأما الفرش فالفُصْلان والعَجَاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة‏.‏

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل، تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافًا وفرشا‏.‏

وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن يشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 71، 72‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ ‏[‏وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ‏]‏‏}‏ إلى أن قال‏:‏ ‏{‏وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 69 -80‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 79 -81‏]‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ‏}‏ أي‏:‏ من الثمار والزروع والأنعام، فكلها خلقها الله ‏[‏تعالى‏]‏ وجعلها رزقًا لكم، ‏{‏وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ‏}‏ أي‏:‏ طرائقه وأوامره، كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم الله، أي‏:‏ من الثمار والزروع افتراء على الله، ‏{‏إِنَّهُ لَكُمْ‏}‏ أي‏:‏ إن الشيطان -أيها الناس -لكم ‏{‏عَدُوٌّ مُبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ بَيِّن ظاهر العداوة، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 6‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا‏}‏ الآية، ‏[‏الأعراف‏:‏ 27‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 50‏]‏‏.‏ والآيات في هذا كثيرة في القرآن‏.‏